أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
490
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
التقديرين المتقدمين فهي حال مؤكدة ، لأن معناها مفهوم من « عَلَّمْتُمْ » ومن « مُكَلِّبِينَ » . والرابع : أن تكون جملة اعتراضية ، وهذا على جعل « ما » شرطية ، أو موصولة خبرها « فَكُلُوا » ، فيكون قد اعترض بين الشرط وجوابه ، أو بين المبتدأ وخبره . فإن قيل : هل يجوز وجه خامس ، وهو أن تكون هذه الجملة حالا من الجوارح أي : من الجوارح حال كونها تعلّمونهن ، لأنّ في الجملة ضمير ذي الحال ؟ فالجواب أن ذلك لا يجوز ، ذلك يؤدّي إلى الفصل بين هذه الحال وبين صاحبها بأجنبي وهو « مُكَلِّبِينَ » الذي هو حال من فاعل « عَلَّمْتُمْ » . قوله : مِمَّا أَمْسَكْنَ في « من » وجهان : أظهرهما : أنها تبعيضية ، وهي صفة لموصوف محذوف ، هو مفعول الأكل ، أي : فكلوا شيئا مما أمسكنه عليكم . والثاني : أنها زائدة وهو قياس قول الأخفش ، فعلى الأول تتعلّق « مِنَ » بمحذوف ، وعلى الثاني لا تعلّق لها ، و « ما » موصولة أو نكرة موصوفة ، والعائد محذوف ، وعلى كلا التقديرين أي : أمسكته كما تقدم . والنون في « أَمْسَكْنَ » للجوارح . و « عَلَيْكُمْ » متعلق ب « أَمْسَكْنَ » ، والاستعلاء هنا مجاز . قوله : « عَلَيْهِ » في هذه الهاء ثلاثة أوجه : أحدها : أنها تعود على المصدر المفهوم من الفعل وهو الأكل كأنه قيل : واذكروا اسم اللّه على الأكل ، ويؤيده ما في الحديث : « سمّ اللّه ، وكل ممّا يليك » « 1 » . والثاني : أنه يعود على « ما عَلَّمْتُمْ » أي : اذكروا اسم اللّه على الجوارح عند إرسالها على الصيد ، وفي الحديث : « إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم اللّه » « 2 » . والثالث : أنّها تعود على « ما أمسكن » أي : اذكروا اسم اللّه على ما أدركتم ذكاته مما أمسكته عليكم الجوارح . وقوله تعالى : الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ : الكلام فيه كالكلام فيما قبله . وزعم قوم أنّ المراد بثلاثة الأيام المذكورة هنا وقت واحد ، وإنما كرره توكيدا ، ولاختلاف الأحداث الواقعة فيه حسن تكريره ، وليس بشيء . وادّعى بعضهم أنّ في الكلام تقديما وتأخيرا ، وأن الأصل : « فاذكروا اسم اللّه عليه وكلوا ممّا أمسكن عليكم » وهذا يشبه قول من يعيد الضمير على الجوارح المرسلة . قوله : وَطَعامُ الَّذِينَ فيه وجهان ، الصحيح منهما أنه مبتدأ ، وخبره « حِلٌّ لَكُمْ » أبرز الإخبار بذلك في اسمية اعتناء بالسؤال عنه . وأجاز أبو البقاء أن يكون مرفوعا عطفا على مرفوع ما لم يسمّ فاعله وهو « الطَّيِّباتُ » ، وجعل قوله « حِلٌّ لَكُمْ » خبر مبتدأ محذوف ، وهذا ينبغي ألّا يجوز البتة لتقدير ما لا يحتاج إليه مع ذهاب بلاغة الكلام . قوله : « وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ » مبتدأ وخبر ، وقياس قول أبي البقاء أن يكون « طعام » عطفا على ما قبله ، و « حِلٌّ » خبر مبتدأ محذوف ، ولم يذكره كأنه استشعر الصواب .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 9 / 521 ) ، الأطعمة ( 5376 ) ، ومسلم ( 3 / 1599 ) ، ( 108 - 2022 ) . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 1 / 279 ) ، كتاب الوضوء ( 175 ) ، ومسلم ( 3 / 1531 ) ، كتاب الصيد ( 6 - 1929 ) .